.عددٌ قليلٌ من أولئك الذين خُلِّصوا
ج 3 ( عظة القديس ليوناردو دو بورت موريس)سلسلة
سنة ( 1676-1751)
st.leonard of port maurice
ترجمة الاب ابراهيم حداد
5- جودةُ الله وخيره:
ربما لم تؤمنوا بعد بالحقيقة الرهيبة التي قد علّمتُكُم إيّاها. إذ أنّ الأعظم والأعلى اعتباراً بين اللاهوتيين, والأعظم شهرةً بين آباء الكنيسة قد كلّموكُم من خلالي. فكيف إذاً, تستطيعون التصديّ لعقائد مدعومةً بكثير من الأمثال والأحداث والكلام الوارد في الكتاب المقدس؟ إذا بقيتم متردّدين على الرغم من هذا, وإذا كان عقلكم يميل إلى الرأي المناهض, فهل اعتبار الكتاب المقدس ليس كافياً ليجعلكم ترتعدون خوفاً؟ أوّاه, الكتب المقدسة تريكم كم أنتم غير مهتميّن لخلاصكم! في هذا الموضوع المهمّ, الإنسان الذي يحُسّ سيُخبَطُ من أصغرشك في المجازفة التي يقوم بها بأكثرقوةً من أن تعطيه الدليل على الخراب الكامل في شؤنٍ أخرى لم تتورّط بها النفس. واحدٌ من إخوتنا, القديس غايلز, كان متعوداً على أن يقول دائماً بأنهُ إذا كان هناكَ رجلٌ واحدٌ فقط في العالم كله سيهلك في جهنم, فسيعمل جاهداً ليكون له من المؤكد أنه ليس ذلك الرجل. إذاً ماذا يجب علينا أن نفعل, نحن الذين نعلم أن العدد الأكبر ذاهبٌ إلى جهنم, وليس فقط من بين الكاثوليك؟ ماذا يجب علينا أن نفعل؟ خذوا القرار لتنتسبوا إلى العدد الأصغر من الذين قد خَلُصوا. تقولون: إذا أراد المسيح أن يهلكني, فلماذا إذاً قد خلقني؟ أصمت, أيها اللسان المتسرّع! لم يخلق الله أي إنسانٍ ليهلكه؛ لكن من هَلِكَ, قد هَلكَ لأنه أراد ذلك لنفسه. لذلك, سوف أجتهد الآن لأدافع عن جودةِ إلهي وأُبرِّئَها من كل لوم: وهذا ما سيكون موضوع النقطة الثانية.
قبل أن نبدأ في هذا, دعونا نجمع على جهةٍ كلّ كتب وكلُّ هرطقات لوثر وكالفين, وعلى الجهة الأخرى كتب وهرطقات البلاجيّين والنصف-البلاجيّين, ولنحرقها كلها. البعضُ منها يُدمّر النعمة, والبعض الآخر الحريّة وكلها مملوءة بالأخطاء؛ إذاَ تعالوا لنلقيها في النار. كل الهالكين يحملون على جباههم نبؤة النبي أوسي التي تقول: " دينونتَكَ تأتي منكَ", بحيث يتسنىّ لهم أن يفهموا أن من كان مُداناً للهلاك, فهو مدانٌ بسبب خباثته ولأنه هو الذي أراد أن يهلك.
لنأخذ أولاً هاتين الحقيقتين اللتان لا تقبلان النفي كقاعدة:
[ اللهُ يريد أن يخلّص الناس كلهم] و [ الكلّ هم بحاجةٍ إلى نعمة الله]. والآن إذا أريتكم الله يريد أن يخلص كل الناس, وانه لأجل هذه الغاية قد أعطى نعمته للكلّ كما أعطاهم أيضاً كل الوسائل الضرورية التي تؤهلهم لنيل هذا الهدف السامي, وانتم ستُجبرونَ على الموافقة بأنَّ الهالك مهما كان ومن كان يجب أن يُنسِب هلاكه لشرّهِ, بانّ العدد الأكبر من المسيحيين هم هالكين, وذلك لأنهم هم أرادوا الهلاك. " هلاكُكَ يأتي منك؛ وعونُكَ هو فيّ أنا فقط".
6- الله يريد أن يخلّص الناس:
في مئةِ موقعٍ في الكتاب المقدس, الله يقول لنا أنه حقّاً يريد أن يخلص الناس كلهم. " هل هي مشيئتي في الخاطيء أنه يجب أن يموت, وليست في أنه يجب أن يهتدي ويتوب عن طُرُقِهِ ويحيا؟... أنا أحيا, قال الرب الإله. لم أشأ موت الخاطيء. اهتدوا وتوبوا فتحيوا". عندما يرغب شخصٌ ما في شيء رغبةً كبيرة, يقال عنه أنه يتمنى إلى الموت؛ وهذهِ مبالغة. لكن الله أراد ومازال يريد خلاصنا كثيراً حتى أنه مات من أجل رغبته هذه, وكابد في خِضَمِّ الموت ليعطينا حياةً. هذه المشيئة لخلاص كل الناس إذاً ليست مُتصنِّعَةً, وسطحيّةً, أو ظاهريّةٍ عند الله؛ بل هي مشيئةٌ حقيقيّة, فاعلة, وناتجة؛ لأنه يعطينا كل الوسائل والأكثر ملاءَمةً لنخلص. لا يعطينا الله الوسائل التي لا تستطيع الحصول على الخلاص؛ بل يعطيناها بمشيئةٍ خالصة, وبنيّةِ أنهّا تعطي الفاعليّة والأثر المنشود في الخلاص. أمّا إذا كانت هذه الوسائل عاجزة عن إعطاء النتائج المنشودة, يُرينا نفسهُ مغتمًّا ومُساءً إليه فيها. لقد أوصى حتىّ الهالكين بأستعمال الوسائل التي أعطاناها لكي يخلصوا؛ لقد حضّهم ليستعملوها؛ لقد أجبرهم حتى لأستعمالها؛ وإذا لم يفعلوا هذا فقد خطِئوا. لذلك إذا هم عملوا بها فقد خَلُصوا.
وأكثر من ذلك, فلأنَّ الله يرى حتىّ أنّه ربما لن نستعملَ نعمتَهُ بدون عونِه الإلهي, فقد أعطانا معوناتٍ أخرى؛ وإذا بقيت هذه المعونات في بعض الأوقات غير فاعلةٍ أو مؤثرة, عندها يكون الخطأ خطأنا؛ لأنه مع هذه المعونات نفسها, يمكن للإنسانٍ ما أن يسيء استعمالها ويهلِكَ معها, ولإنسانٍ آخر أن يستعملها جيّداً فيخلص؛ ويمكن لإنسانٍ أن يخلص بوسائلَ أقلّ قوّةً وفاعليّة. نعم, قد يحدثُ أن إنساناً يسيء استعمال نعمةٍ كبيرة وعظيمة فيهلك, وآخر يستعمل نعمة أصغر بكثيرٍ ويخلص.
هتف القديس أوغسطينوس قائلاً: " لذلك, إذا أدار أحدهم ظهره للعدالة الإلهية, فقد حُمِلَ لذلك بإرادته الحرّة, واُقتيدّ بشهواته, وخُدِع بآقتناعاته الشخصيّة". لكن لأولئك الذين لا يفهمون اللاهوت, هذا هو صالحٌ للغاية بحيث أنه عندما يرى الخاطيء مسرعاً إلى هلاكه, يسرعُ ساعياً وراءه, ويدعوه, ويتوسّل إليه ويرافقهُ حتى إلى أبواب الجحيم؛ فما الذي لم يفعله الله ليهديه؟يُرسل له إلهاماتٍ صالحة وأفكاراً مقدسة, لكنه إن لم يستفد منها, يصبح الله غاضباً وساخطاً منه ويتعقّبه. فهل يضربُه الله؟ كلاّ. يضرب الله في الهواء ويغفر له. لكن الخاطيء هذا لم يهتدِ بعد. فيرسل الله له مرضاً مميتاً. وهذا بالتأكيد له باكمله. كلا, يا إخوتي, فالله يشفيه؛ لكن الخاطيء صلبُ الرأي في الشر, أما الله فبرحمته الإلهيّة يتّخذ طريقةً أخرى ليهديه؛ فيعطيه سنةً أُخرى, وعندما تنتهي تلك السنة, يمنحهُ التي بعدها أيضاً. ولكن إذا أصرّ الخاطيء أن يلقي بنفسه في جهنم بالرغم من كل ذلك, ماذا يمكنُ لله أن يفعلهُ؟ هل يتخلىّ عنه؟ كلا. يأخذه من يده؛ وفي الوقت الذي فيه للخاطيء قدماً في جهنم وقدماً خارجها, يبقى الله كارزاً له, فهو يتوسّل إليه ألاّ يُسيء استعمال نعمته. والآن أسألكم, إذا كان ذلك الرجل هالكاً, اليس في الحقيقة أنه قد هلك لرفضه لمشيئة الله وبسبب أنه أراد أن يكون هالكاً؟ تعالوا وأسألوني أنا الآن: إذا أراد الله أن يهلكني, فلماذا خلقني إذاً؟
أيها الخاطيء العاقّ, تعلَّم اليوم انك إذا كنت هالكاً, فليس الله هو المَلوم, بل أنتَ ومشيئتك انت. لتقنع نفسك في هذا, إنزل إلى أعماق الجحيم, هناك ساُحضُرُ لك نفساً من أنفس أولئك الهالكين البؤساء المحترقة في جهنم, بحيث يشرح لك هذه الحقيقة. وها هنا واحدةٌ منها الآن: "- قل لي, من أنت؟
* أنا عابدُ أوثانٍ مسكين, وُلِدت في أرضٍ مجهولة؛ لم أسمع قطٌّ بالسماء أو بجهنّم, ولا بما أتألمّ به الآن.
- بائسٌ مسكين! أغرب عن وجهي, أنت لست من الذين أبحثُ عنهم."
وواحدٌ آخر قد أتى؛ ها هو هنا:
" – من انت؟
* أنا مُنشقٌّ من بقية قبيلة الطرطاريين؛ كنت دوماً أعيش في حالة غير حضاريّة, ونادراً ما كنت أعلم أن الله موجود أو أن هناك إلهاً.
- أنت لست من أريد؛ عُدْ إلى جهنم".
وهناك آخر أيضاً:
" – ومن أنت أيضاً؟
* أنا مُهرطقٌ مسكين من الشمال. لقد وُلِدتُ تحت القطب الشمالي ولم أرَ قطٌّ لا نور الشمس ولا نور الإيمان أيضاً.
- إنه ليس أنت ما أبحث عنه أيضاً, عُدْ إلى الجحيم".
إخوتي, إن قلبي يغدو منكسراً على مرأى هؤلاء البؤساء الذين لم يعرفوا حتى الإيمانِ الحقيقيّ بين الهالكين. ومع ذلك, إعلموا أن حكم الدينونة قد نزل عليهم وقد قيل لهم, " دينونتكَ جاءت منك". لقد هلكوا لأنهم أرادوا أن يكونوا من الهالكين. لقد نالوا من الله إسعافاتٍ كثيرة ليخلصوا! ولا نعرف ماذا كانت تلك الإسعافات, لكنهم يعرفونها تماماً, والآن يصرخون, " أيها الرب أنت عادلٌ... وحُكمُكَ حقٌ وعدل".
إخوتي, يجب أن تعلموا أنّ أقدمَ العقائد هي القانون الإلهي أو قوانين الله, وأننا كلُّنا نحملها مكتوبةً في قلوبنا؛ وأننا نستطيع تعلُّمَها بدون مُعلم, وأنها كافيةٌ لنا لنأخذ منها نوراً عقلياً يؤهّلنا لأن نعلم كل وصايا ذلك القانون. لهذا السبب يتخفىّ الناس وحتى البرابرة عندما يقترفون الخطيئة, لأنهم قد علموا أنهم كانوا يرتكبونَ خطأً؛ وهم هالكون لأنهم لم يُراعوا القانونَ الطبيعيّ المكتوب في ضمائرهم: لأنهم لو راعوه, لعمل الله معجزةً لهم وخلصهم بدلاً من أن يهلكوا؛ ولأرسل لهم من يعلّمهم, ولأرسل أيضاً لهم إسعافاتٍ أُخرى, التي بها أيضاً قد جعلوا أنفُسَهم غير مستحقين بالحياة التي يحيوها امتثالاَ لإلهامات ضمائرهم, التي لم تفشل يوماً في إنذارهم بالخير الذي يجب أن يفعلوه والشر الذي ألاّ يقترفوه. إذاً هو ضميرُهم الذي سيتّهمُهُم أمام محكمة الله, والذي يُخبرهُم على الدوام والثبات في جهنم مايلي: " هلاكك يأتي منك". سوف لا يعلمون بماذا يجيبون وسوف يكونونَ مُجبرين على الأعتراف أنهم مستحقون لهذا الهلاك. والآن إذا كان هؤلاء الخائنين لضمائرهم لا عُذرَ لهم, هل هناكَ أيًّ عذرٍ يوجد للكاثوليكيّ الذي يملك الأسرار المقدسة الكثيرة, والعظات الكثيرة, ومعوناتٍ كثيرةٍ تحت تصرُّفه؟ كيف سيجرؤ ويقول: " إذا كان الله مزمعٌ ليهلِكني, فلماذا إذاً قد خلقني؟ " , كيف سيجرؤ ويتكلم بهذه الطريقة, في الوقت الذي اعطاه الله فيه كثيراً من المعونات ليخلُص؟
لننتهي إذاً من تشويش الله بهذه الأفكار.
- أنتم الذين تتعذبونَ في هاوية الجحيم, أجيبوني! هل هناك أيٌّ من الكاثوليك بينكم؟
* بالتأكيد هنا كاثوليكيّون.
- كم عددهم؟ دعوا واحداً منهم يأتي إلى هاهنا!
* هذا غيرُ ممكن, إنهم بعيدونَ كثيراً في الأسفل, ولنخرجهم من الأعماق السفلي وجب علينا أن نقلب كل جهنّم رأساً على عقب؛ إنّه من الأسهل علينا أن نوقفَ واحداً منهم أثناء سقوطه في جهنم.
إذاً, أنا أُكلّمكُم أنتم الذين يحيون الآن في عادةِ الخطيئة المميتة, في الكراهية والبغض, في وحلِ رذيلة الزنى, والذين يقتربون أكثر من جهنم كل يوم. قِفْ, وآستَدِرْ إلى الخلف؛ إنه يسوع الذي يناديك والذي بجروحه, كالأصوات البليغة في الكلام, يصْرخُ إليك قائلاً: " يا بنيّ, إذا كنتَ هالكاً, لكَ أن تلومَ نفسكَ فقط: ’هلاككَ ياتي منكَ‘ . إرفع عينيكَ وسترى كل النَِعم التي أغنيتك بها لأؤمِّنَ لك الخلاص الأبديّ. كنت قادراً أن أجعلكَ تولدُ في البريّة من البرابرة؛ وهذا ما فعلتُه لآخرينَ كُثُر, لكنني جعلتك تولد في الإيمان الكاثوليكيّ؛ وجعلتك تتربىّ بين يديّ أبٍ صالح, وأمٍّ ممتازة, مع أطهر التعاليم والتعليمات. لكنك إذا هلكت بالرغم من كلّ هذا, فخطيئة من تكون خطيئتك؟ أنها خطيئتك انت يا بنيّ, خطيئتك أنت: ’ هلاكك يأتي منك ‘. أنا قادرٌ أن أرميكَ في جهنم لأول خطيئةٍ مميتةٍ ارتكبتَها, بدون ان أنتظر خطيئةً ثانيةً لترتكبها: لقد فعلتُ هذا لكثيرين آخرين, لكننّي كنتُ صبوراً معكَ, لقد اُنتظرت من أجلكَ لسنين كثيرة. وأنا مازلتُ مُنتظراً لك في سرّ التوبة. وإذا كنتَ هالكاً بالرغم من كلِّ هذا, فخطأ من يكون هذا؟ خطأكَ أنت يا بنيّ, خطأكَ أنت: " هلاككَ يأتي منك". أنت تعلمُ كم من الناس ماتوا أمام عينيك وكانوا هالكين: كان ذلك إنذاراً لك. أنت تعلمُ كم من الآخرين أَعدتهم إلى الطريق القويم لأُعطيكَ فيهم مثلاً صالحاً. هل تذكر ما قاله لك ذلك الكاهن الممتاز؟ أنا هو الذي دفعهُ ليقول لكَ ذلك. ألم يفرضُ عليك أن تغيّرَ مجرى حياتك, لتتمّم إعترافاً صحيحاً؟ أنا هو الذي ألهمه لذلك. أتذكرّ تلك العظة التي دخلت قلبك وضميركَ؟ أنا هو الذي اقتادك إلى هناك لتسمعها. وما الذي حدث بينك وبيني في خفايا قلبك,... ذلك ما لن تنساه أبداً. تلك الإلهامات الداخليّة, والمعرفة الواضحة, وألمُ ضميركَ الثابت, هل تجرؤ أن تنكرها؟ كل تلك كانت معوناتٍ كثيرةٍ من نعمتي, لأنني أردت أن أخلصك. لقد رفضت أن أعطيهم لكثيرٍ من الناس, لكنني أعطيتهم لك لأنني أحببتكَ بغضاضةٍ ورقة. يا بنيّ, يا بنيّ, لو أنني تكلمتُ بهذه الرقة لأولئك الناس كما أكلمك اليوم, لكان الكثير منهم قد عادوا إلى طريق الحق! وأنت... تدير ظهركَ لي. إسمع لما سأقوله لك, لأن هذه الكلمات التي سأقول لك ستكون الأخيرة: لقد كلفتني دمي؛ إذا كنت تريد الهلاك بالرغم من الدم الذي أهرقته من أجلك, لا تلومني, لك نفسكَ وحدها لتتّهم, وفي الأبديّة كلّها لا تنسى إذا هلكتَ بالرغم مني, أنك قد هلكت لأنك انت أردت الهلاك: ’ هلاككَ ياتي منكَ‘ ".
يا يسوعي الصالح, الحجارة نفسها تنغلق على مسمع هذه الكلمات الحنونة, وتعابير حنانك وحبك. هل ها هنا من أحدٍ يريدُ أن يهلك, مع وجود الكثير من النعم والمعونة؟ إذا كان هناكَ أحدٌ, دعوه يسمع لي, ودعوه بعد ذلك ليقاومَ كلامي إذا استطاع.